فصل: تفسير الآيات (272- 282):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارك التنزيل وحقائق التأويل بـ «تفسير النسفي» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (272- 282):

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)}
{لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب {ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاء} أو ليس عليك التوفيق على الهدى أو خلق الهدى وإنما ذلك إلى الله {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} من مال {فَلأَِنفُسِكُمْ} فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله} وليست نفقتكم إلا ابتغاء وجه الله أي رضا الله ولطلب ما عنده فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله، أو هذا نفي معناه النهي أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} ثوابه أضعافاً مضاعفة فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن إنفاقه وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها {وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} ولا تنقصون كقوله: {وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا} [الكهف: 33]. أي لم تنقص.
الجار في {لِلْفُقَرَاء} متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هذه الصدقات للفقراء {الذين أُحصِرُواْ في سَبِيلِ الله} هم الذين أحصرهم الجهاد فمنعهم من التصرف {لاَ يَسْتَطِيعُونَ} لاشتغالهم به {ضَرْبًا في الأرض} للكسب. وقيل: هم أصحاب الصفة وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم تكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى. {يَحْسَبُهُمُ الجاهل} بحالهم. {يحسبهم} وبابه: شامي ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة. والباقون بكسر السين. {أَغْنِيَاء مِنَ التعفف} مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة {تَعْرِفُهُم بسيماهم} من صفرة الوجوه ورثاثة الحال {لاَ يَسْئَلُونَ الناس إِلْحَافًا} إلحاحاً. قيل: هو نفي السؤال والإلحاح جميعاً كقوله:
على لاحب لا يهتدي بمناره

يريد نفي المنار والاهتداء به. والإلحاح هو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه وفي الحديث: «إن الله يحب الحي الحليم المتعفف ويبغض البذي السآل الملحف» وقيل: معناه أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ} لا يضيع عنده.
{الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار سِرّا وَعَلاَنِيَةً} هما حالان أي مسرين ومعلنين يعني يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال.
وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار: عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية. أو في علي رضي الله عنه لم يملك إلا أربعة دراهم، تصدق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية. {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الذين يَأْكُلُونَ الربا} هو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال. وكتب {الربوا} بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكواة، وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع. {لاَ يَقُومُونَ} إذا بعثوا من قبورهم {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان} أي المصروع لأنه تخبط في المعاملة فجوزي على المقابلة. والخبط: الضرب على غير استواء كخبط العشواء {مِنَ المس} من الجنون وهو يتعلق ب {لا يقومون} أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع، أو ب {يقوم} أي كما يقوم المصروع من جنونه، والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقيل: الذين يخرجون من الأجداث يوفضون إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض {ذلك} العقاب {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} ولم يقل (إنما الربا مثل البيع) مع أن الكلام في الربا لا في البيع، لأنه جيء به على طريقة المبالغة وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع. {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا} إنكار لتسويتهم بينهما إذ الحل مع الحرمة ضدان فأنى يتماثلان ودلالة على أن القياس يهدمه النص لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ} فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا {فانتهى} فتبع النهي وامتنع {فَلَهُ مَا سَلَفَ} فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم {وَأَمْرُهُ إِلَى الله} يحكم في شأنه يوم القيامة وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به {وَمَنْ عَادَ} إلى استحلال الربا عن الزجاج أو إلى الربا مستحلاً {فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} لأنهم بالاستحلال صاروا كافرين لأن من أحل ما حرم الله عز وجل فهو كافر فلذا استحق الخلود، وبهذا تبين أنه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق.
{يَمْحَقُ الله الربا} يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه {وَيُرْبِى الصدقات} ينميها ويزيدها أي يزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه، وفي الحديث: «ما نقصت زكاة من مال قط».
{والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ} عظيم الكفر باستحلال الربا {أَثِيمٍ} متمادٍ في الإثم بأكله. {إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قيل: المراد به الذين آمنوا بتحريم الربا {يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا} أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها. روي أنها نزلت في ثقيف. وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} كاملي الإيمان فإن دليل كماله امتثال المأمور به. {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ} فاعلموا بها من أذن بالشيء إذا علم، يؤيده قراءة الحسن فأيقنوا. {فآذنوا}: حمزة وأبو بكر غير ابن غالب. فأعلموا بها غيركم ولم يقل بحرب الله ورسوله لأن هذا أبلغ، لأن المعنى فأذنوا بنوع من الحرب عظيم من عند الله ورسوله. وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله {وَإِن تُبتُمْ} من الارتباء {فَلَكُمْ رُءُوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ} المديونين بطلب الزيادة عليها {وَلاَ تُظْلَمُونَ} بالنقصان منها.
{وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة ذو إعسار {فَنَظِرَةٌ} فالحكم أوفى لأمر نظرة أي إنظار {إلى مَيْسَرَةٍ} يسار. {ميسرة}: نافع وهما لغتان {وَأَن تَصَدَّقُواْ} بالتخفيف: عاصم، أي تتصدقوا برؤوس أموالكم أو ببعضها على من أعسر من غرمائكم. وبالتشديد: غيره. فالتخفيف على حذف إحدى التاءين، والتشديد على الإدغام {خَيْرٌ لَّكُمْ} في القيامة، وقيل: أريد بالتصديق الإنظار لقوله عليه السلام: «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه. {واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله} {ترجعون}: أبو عمرو فرجع لازم ومتعدٍ. قيل: هي آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً أو أحداً وثمانين أو سبعة أيام أو ثلاث ساعات {ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي جزاء ما كسبت {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقصان الحسنات وزيادة السيئات.
{يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} أي إذا داين بعضكم بعضاً. يقال داينت الرجل إذا عاملته بدين معطياً أو آخذاً {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} مدة معلومة كالحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج، وإنما احتيج إلى ذكر الدين ولم يقل إذا تداينتم إلى أجل مسمى ليرجع الضمير إليه في قوله {فاكتبوه} إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن، ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال.
وإنما أمر بكتابة الدين لأن ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود، والمعنى إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه والأمر للندب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد به السلم وقال: لما حرم الله الربا أباح السلف. وعنه: أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية، وفيه دليل على اشتراط الأجل في السلم {وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم} بين المتداينين {كَاتِبٌ بالعدل} هو متعلق ب {كاتب} صفة له أي كاتب مأمون على ما يكتب يكتب بالاحتياط لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص، وفيه دليل على أن يكون الكاتب فقيهاً عالماً بالشروط حتى يجيء مكتوبه معدلاً بالشرع، وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً ديناً حتى يكتب ما هو متفق عليه {وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ} ولا يمتنع واحد من الكتاب {أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله} مثل ما علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير وكما متعلق بأن يكتب {فَلْيَكْتُبْ} تلك الكتابة لا يعدل عنها {وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق} ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به فيكون ذلك إقراراً على نفسه بلسانه. والإملال والإملاء لغتان {وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ} وليتق الله الذي عليه الدين ربه فلا يمتنع عن الإملاء فيكون جحوداً لكل حقه {وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً} ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئاً في الإملاء فيكون جحوداً لبعض حقه {فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهًا} أي مجنوناً لأن السفه خفة في العقل أو محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف {أَوْ ضَعِيفًا} صبياً {أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ} لعي به أو خرس أو جهل باللغة {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ} الذي يلي أمره ويقوم به {بالعدل} بالصدق والحق {واستشهدوا شَهِيدَيْنِ} واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين {مِّن رِّجَالِكُمْ} من رجال المؤمنين. والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام وشهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة عندنا {فَإِن لَّمْ يَكُونَا} فإن لم يكن الشهيدان {رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان} فليشهد رجل وامرأتان وشهادة الرجال مع النساء تقبل فيما عدا الحدود والقصاص {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء} ممن تعرفون عدالتهم، وفيه دليل على أن غير المرضي شاهد {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى} لأجل أن تنسى إحداهما الشهادة فتذكرها الأخرى {إن تضل إحداهما} على الشرط {فتذكر} بالرفع والتشديد: حمزة كقوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ} [المائدة: 95]. {فَتُذْكِر} بالنصب: مكي وبصري من الذّكرُ لا من الذَّكر {وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ} لأداء الشهادة أو للتحمل لئلا تتوى حقوقهم، وسماهم شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن، فالأوّل للفرض والثاني للندب {وَلاَ تَسْئَمُواْ} ولا تملوا قال الشاعر:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ** ثمانين حولاً لا أبالك يسأم

والضمير في {أَن تَكْتُبُوهُ} للدين أو الحق {صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا} على أي حال كان الحق من صغر أو كبر، وفيه دلالة جواز السلم في الثياب لأن ما يكال أو يوزن لا يقال فيه الصغير والكبير وإنما يقال في الذرعي، ويجوز أن يكون الضمير للكتاب وأن تكتبوه مختصراً أو مشبعاً أو {إِلَى أَجَلِهِ} إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته {ذلكم} إشارة إلى أن تكتبوه لأنه في معنى المصدر أي ذلك الكتب {أَقْسَطُ} أعدل من القسط وهو العدل {عَندَ الله} ظرف لأقسط {وَأَقْوَمُ للشهادة} وأعون على إقامة الشهادة وبنى أفعلا التفضيل أي {أقسط} و{أقوم} من أقسط وأقام مذهب سيبويه {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ} وأقرب من انتفاء الريب للشاهد والحاكم وصاحب الحق فإنه قد يقع الشك في المقدار والصفات وإذا رجعوا إلى المكتوب زال ذلك، وألف {أدنى} منقلبة من واو لأنه من الدنو {إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً} عاصم أي إلا أن تكون التجارة تجارة أو إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة غيره تجارة حاضرة على (كان) التامة أي إلا أن تقع تجارة حاضرة، أو هي ناقصة والاسم تجارة حاضرة والخبر {تُدِيرُونَهَا} وقوله {بَيْنِكُمْ} ظرف ل {تديرونها} ومعنى إدارتها بينهم تعاطيها يداً بيد {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا} يعني إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد فلا بأس أن لا تكتبوها لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين {وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ} أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً ناجزاً أو كالئاً لأنه أحوط وأبعد من وقوع الاختلاف، أو أريد به وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني التجارة الحاضرة على أن الإشهاد كافٍ فيه دون الكتابة والأمر للندب {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} يحتمل البناء للفاعل لقراءة عمر رضي الله عنه: {ولا يضارر} وللمفعول لقراءة ابن عباس رضي الله عنهما: {ولا يضارر} والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما، وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم ويلزّا، أولاً يعطي الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد {وَإِن تَفْعَلُواْ} وإن تضاروا {فَإِنَّهُ} فإن الضرار {فُسُوقٌ بِكُمْ} مأثم {واتقوا الله} في مخالفة أوامره {وَيُعَلّمُكُمُ الله} شرائع دينه {والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} لا يلحقه سهو ولا قصور.

.تفسير الآيات (283- 286):

{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)}
{وَإِن كُنتُمْ} أيها المتداينون {على سَفَرٍ} مسافرين {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان} {فرهان}: مكي وأبو عمرو أي فالذي يستوثق به رهن وكلاهما جمع رهن كسقف وسقف وبغل وبغال، ورهن في الأصل مصدر سمي به ثم كسر تكسير الأسماء. ولما كان السفر مظنة لأعواز الكتب والإشهاد، أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد لا أن السفر شرط تجويز الارتهان. وقوله {مَّقْبُوضَةٌ} يدل على اشتراط القبض لا كما زعم مالك أن الرهن يصح بالإيجاب والقبول بدون القبض {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه به فلم يتوثق بالكتابة والشهود والرهن {فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أمانته} دينه. وائتمن افتعل من الأمن وهو حث للمديون على أن يكون عند ظن الدائن وأمنه منه وائتمانه له، وأن يؤدي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه. وسمي الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه {وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ} في إنكار حقه {وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة} هذا خطاب للشهود {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ} ارتفع {قلبه} ب {آثم} على الفاعلية كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه، أو بالابتداء و{آثم} خبره مقدم والجملة خبر {إن}. وإنما أسند إلى القلب وحده والجملة هي الآثمة لا القلب وحده، لأن كتمان الشهادة أن يضمرها في القلب ولا يتكلم بها، فلما كان إثماً مقترفاً مكتسباً بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ كما تقول (هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي)، ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان منه، ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب، وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أكبر الكبائر الإشراك بالله وشهادة الزور وكتمان الشهادة {والله بِمَا تَعْمَلُونَ} من كتمان الشهادة وإظهارها {عَلِيمٌ} لا يخفى عليه شيء. {للَّهِ مَا في السموات وَمَا فِي الأرض} خلقاً وملكاً {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} يعني من السوء {يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} يكافئكم ويجازيكم ولا تدخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان، لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه ولكن ما اعتقده وعزم عليه، والحاصل أن عزم الكفر كفر وخطرة الذنوب من غير عزم معفوة، وعزم الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور.
فأما إذا هم بسيئة وهو ثابت على ذلك إلا أنه منع عنه بمانع ليس باختياره فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله أي بالعزم على الزنا لا يعاقب عقوبة الزنا، وهل يعاقب عقوبة عزم الزنا؟ قيل: لا لقوله عليه السلام: «إن الله عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به» والجمهور على أن الحديث في الخطرة دون العزم وأن المؤاخذة في العزم ثابتة وإليه مال الشيخ أبو منصور وشمس الأئمة الحلواني رحمهما الله، والدليل عليه قوله تعالى: {إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة} [النور: 19]. الآية. وعن عائشة رضي الله عنها: ما هم العبد بالمعصية من غير عمل يعاقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا. وفي أكثر التفاسير أنه لما نزلت هذه الآية جزعت الصحابة رضي الله عنهم وقالوا: أنؤاخذ بكل ما حدثت به أنفسنا فنزل قوله {آمن الرسول} إلى قوله {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} فتعلق ذلك بالكسب دون العزم. وفي بعضها أنها نسخت بهذه الآية، والمحققون على أن النسخ يكون في الأحكام لا في الأخبار {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} برفعهما: شامي وعاصم أي فهو يغفر ويعذب، ويجزمهما: غيرهم عطفاً على جواب الشرط، وبالإدغام: أبو عمرو، وكذا في الإشارة والبشارة. وقال صاحب الكشاف: مدغم الراء في اللام لاحن مخطئ، لأن الراء حرف مكرر فيصير بمنزلة المضاعف، ولا يجوز إدغام المضاعف، ورواية عن أبي عمر مخطئ مرتين لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس في العربية ما يؤذن بجهل عظيم {والله على كُلِّ شَئ} من المغفرة والتعذيب وغيرهما {قَدِيرٌ} قادر. {ءَامَنَ الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون} إن عطف {المؤمنون} على {الرسول} كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في {كُلٌّ} راجعاً إلى {الرسول} {والمؤمنون} أي كلهم {ءَامَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} ووقف عليه، وإن كان مبتدأ كان عليه {كل} مبتدأ ثانياً والتقدير كل منهم و{آمن} خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأول، وكان الضمير للمؤمنين ووحد ضمير {كل} في {آمن} على معنى كل واحد منهم آمن. و{كتابه}: حمزة وعلي يعني القرآن أو الجنس {لاَ نُفَرِّقُ} أي يقولون لا نفرق بل نؤمن بالكل {بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} {أحد} في معنى الجمع ولذا دخل عليه {بين} وهو لا يدخل إلا على اسم يدل على أكثر من واحد. تقول المال بين القوم ولا تقول المال بين زيد. {وَقَالُواْ سَمِعْنَا} أجبنا قولك {وَأَطَعْنَا} أمرك {غُفْرَانَكَ} أي اغفر لنا غفرانك فهو منصوب بفعل مضمر {رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير} المرجع، وفيه إقرار بالبعث والجزاء.
والآية تدل على بطلان الاستثناء في الإيمان وعلى بقاء الإيمان لمرتكب الكبائر.
{لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا} محكي عنهم أو مستأنف {إِلاَّ وُسْعَهَا} إلا طاقتها وقدرتها لأن التكليف لا يرد إلا بفعل يقدر عليه المكلف، كذا في شرح التأويلات. وقال صاحب الكشاف: الوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه ولا يحرج فيه أي لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى غاية الطاقة والمجهود، فقد كان في طاقة الإنسان أن يصلي أكثر من الخمس ويصوم أكثر من الشهر ويحج أكثر من حجة {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت} ينفعها ما كسبت من خير ويضرها ما اكتسبت من شر، وخص الخير بالكسب والشر بالاكتساب لأن الافتعال للانكماش والنفس تنكمش في الشر وتتكلف للخير {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا} تركنا أمراً من أوامرك سهواً {أَوْ أَخْطَأْنَا} ودل هذا على جواز المؤاخذة في النسيان والخطأ خلافاً للمعتزلة لإمكان التحرز عنهما في الجملة ولولا جواز المؤاخذة بهما لم يكن للسؤال معنى {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا} عبأ يأصر حامله أي يحبسه مكانه لثقله استعير للتكليف الشاق من نحو قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وغير ذلك {كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا} كاليهود {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} من العقوبات النازلة بمن قبلنا {واعف عَنَّا} امح سيئاتنا {واغفر لَنَا} واستر ذنوبنا وليس بتكرار فالأول للكبائر والثاني للصغائر {وارحمنا} بتثقيل ميزاننا مع إفلاسنا، والأول من المسخ والثاني من الخسف والثالث من الغرق {أَنتَ مولانا} سيدنا ونحن عبيدك أو ناصرنا أو متولي أمورنا {فانصرنا عَلَى القوم الكافرين} فمن حق المولى أن ينصر عبيده في الحديث: «من قرأ آمن الرسول إلى آخره في ليلة كفتاه» وفيه: «من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل» ويجوز أن يقال: قرأت سورة البقرة أو قرأت البقرة لما روي عن علي رضي الله عنه: خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش. وقال بعضهم: يكره ذلك بل يقال قرأت السورة التي تذكر فيها البقرة، والله أعلم.